آخر تحديث للموقع : الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - 12:02 ص

كتابات


إلى والدي الرئيس .. رسالة من ابنتك

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - 12:02 ص بتوقيت عدن

إلى والدي الرئيس .. رسالة من ابنتك

نبا نيوز / د.مريم العفيف


تحيةٌ بحجم الوطن الذي نحمله معًا حبًّا، ونحرس معناه اقتدارًا، إلى من عرفناه في الطريق عزيزًا، وفي الموقف نبيلًا، وفي العهد صادقًا.

ثمة أشياء في الأوطان يعرفها الجميع، لكن قليلين يملكون شجاعة أن يضعوها في كلمات؛ لا لأنها غامضة، ولا لأن الحقيقة تخشى الضوء، وإنما لأن بعض الحقائق، كلما عظمت قيمتها، احتاجت إلى لغة تعرف كيف تقول دون أن تفضح، وكيف تشير دون أن تبتذل، وكيف تترك للتاريخ أن يكمل ما بدأته الكلمات. ولأن الوطن الذي نحمله في صدورنا ليس شعارًا عابرًا، ولا مساحةً للظهور، ولا بابًا خلفيًا إلى موقع أو وجاهة، فإن من حقه علينا أن نتحدث حين يصبح الصمت تواطؤًا مع النسيان، وأن نضع بعض الحقائق أمام الوعي حين تبدأ الوجوه القديمة في ارتداء الأثواب الجديدة.

ففي كل مرحلة من مراحل التحولات الكبرى يظهر أولئك الذين يعرفون متى يقتربون، وكيف يقتربون، وأين يقفون عندما تصبح الثمرة أقرب من الجذور. يتحدثون عن الأرض، والكرامة، والمستقبل، والتضحيات، وتبدو كلماتهم في ظاهرها مكتملة الوطنية؛ لكن الوطن، ذلك الكائن الصامت الذي لا تجامل ذاكرته أحدًا، يعرف أن بين القول والفعل مسافة، وأن بين من يحمل اسم الوطن ومن يحمل همه فرقًا لا تصنعه البلاغة.

فالوطن عند بعضهم قد يتحول، من حيث لا يعترفون حتى لأنفسهم، إلى رصيد من الجاه والمنصب والظهور؛ يصبح سلّمًا للصعود، وكل درجة عليه تُحسب إنجازًا شخصيًا، حتى إذا بلغ صاحبها مكانًا أعلى نسي أن السلم الذي صعد عليه لم يكن ملكًا له، وأن هناك من حمله قبله، ومن دفع ثمنه قبل أن يلمع اسمه. الكرفتة مضبوطة، والمشهد مرتب، والعبارات منتقاة، والصورة تعرف كيف تُلتقط في اللحظة المناسبة، وكلمة �الوطن� حاضرة في كل خطاب تقريبًا؛ حتى يخيل لمن يسمع أن الوطن يسكن بين شفتي المتحدث. لكن الوطن في مكان آخر يعرف شيئًا مختلفًا: يعرف من بقي حين لم تكن هناك كاميرات، ومن حمل العبء حين لم يكن هناك تصفيق، ومن عمل حين لم يكن في العمل منصب ولا شهرة ولا حتى كلمة شكر.

ولهذا فإن معيار الوفاء ليس كثرة الحديث عنه، ولا عدد مرات ذكر اسم الوطن، ولا مقدار القرب من دوائر القرار. المعيار الأصدق أبسط وأقسى: ماذا يفعل الإنسان حين لا يراه أحد؟ ماذا يبقى منه حين تسقط عنه الألقاب؟ وماذا يفعل حين لا يكون هناك كرسي ينتظره، ولا صورة ستلتقط له، ولا جهة ستمنحه شهادة على ما فعل؟

هناك، في تلك المنطقة الخفية من الإنسان، يبدأ الامتحان الحقيقي. وقد ارتبطت الحكمة السقراطية منذ القدم بفكرة فحص الإنسان لنفسه؛ لأن من لا يسأل نفسه عن دوافعه يستطيع أن يقنع الآخرين طويلًا بأنه يعمل من أجل غاية نبيلة، بينما تكون الغاية النبيلة أحيانًا ستارًا لرغبة أكثر خصوصية.

وهنا تكمن خطورة بعض الوجوه التي لا نحتاج إلى تسميتها. فنحن نعرف الفرق بين من يتحدث عن الوطن لأنه يحبه، ومن يتحدث عنه لأنه يحتاج إليه؛ بين من يرى المسؤولية أمانة، ومن يراها فرصة؛ بين من يفرح بنجاح المشروع ولو لم يُذكر اسمه، ومن لا يرى نجاحًا إلا إذا كان اسمه في مقدمته؛ وبين من يسأل: ماذا يحتاج الوطن مني؟ ومن يبدأ أولًا بسؤال: ماذا سيمنحني الوطن؟

وهذه المسافة الصغيرة في السؤال، هي في الحقيقة مسافة هائلة بين إنسانين، وبين مشروعين، وبين مستقبلين.

وفي فلسفة كانط الأخلاقية، لا ينبغي اختزال الإنسان إلى مجرد وسيلة، بل يُنظر إليه بوصفه غاية في ذاته. وإذا كان الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى أداة في يد غيره، فكيف يمكن أن يتحول وطن بأكمله إلى أداة لمجد فرد، أو موقع شخص، أو طموح مجموعة؟ الوطن غاية، والمسؤولية تجاهه غاية؛ أما المنصب والظهور والصفة، فكلها وسائل ينبغي أن تبقى في موضعها الطبيعي. وحين تنقلب الوسائل إلى غايات، تبدأ القضية في فقدان روحها، حتى لو بقيت شعاراتها معلقة في كل مكان.

ولذلك لا تكفي الكلمات لمعرفة الرجال، ولا الوجوه لمعرفة النيات. الزمن وحده يملك امتحانًا لا يستطيع أحد تزويره؛ فالتاريخ لا يقرأ ما قيل فقط، بل يقرأ ما حدث، ولا يتوقف عند ترتيب الكلمات، بل يبحث عن ترتيب الأفعال. ومن هنا، فإن الحديث عن هذه الظاهرة ليس خصومة مع أحد، ولا تصفية حساب مع أحد، ولا اعتراضًا على أن يأتي أحد أو يتقدم أحد. الوطن أوسع من الأسماء، والقضية أكبر من الأشخاص، لكن الذاكرة ليست ترفًا، والتجارب ليست أوراقًا ينبغي إحراقها كلما تبدلت الوجوه.

وقد يقول قائل: ليس هذا وقت الحديث عن هذه الأمور، فنحن أحوج ما نكون إلى وحدة الصف، وإلى أن تتقدم قضيتنا على كل خلاف. وأنا أقول: نعم، نحن أحوج ما نكون إلى الصف الواحد، لكن الصف الواحد لا يعني أن نغلق أعيننا عن مواطن الخلل التي يمكن أن تعيد إنتاج انتكاساتنا. فالصف الذي لا يتعلم من ذاكرته، قد يتحول من قوة متماسكة إلى تكرار مؤجل لأخطائه.

لقد عرفنا انتكاسات سابقة، وكانت أحداث يناير واحدة من المحطات التي كشفت، بمرارة، ماذا يمكن أن يحدث حين تتغلب الحسابات المتباينة على وحدة الاتجاه، وحين تصبح المسافات داخل الصف أخطر من المسافات مع الخصوم. ولذلك فإن استحضار الذاكرة هنا ليس نبشًا للماضي، ولا توزيعًا للوم، ولا رغبة في إحياء الخصومات؛ بل هو محاولة لحماية المستقبل من أن يعيد الماضي نفسه بأسماء جديدة ووجوه جديدة.

إن وحدة الصف لا تعني أن نصمت عن الخطأ، بل أن نمتلك من النضج ما يجعلنا قادرين على تصحيحه دون أن نهدم الصف. ولا تعني أن نمنح كل من يقترب من مواقع القرار الثقة المطلقة، بل أن نضع معيارًا واضحًا للثقة، يحمي القيادة والقضية معًا. فالصف القوي ليس هو الصف الذي لا يختلف أفراده، وإنما الصف الذي يعرف كيف يختلف دون أن يتشقق، وكيف يراجع نفسه دون أن يفقد اتجاهه، وكيف يحمي مشروعه من أن يتحول إلى مساحة يتقدم فيها الأكثر قدرة على الوصول، لا الأكثر قدرة على حمل الأمانة.

ولهذا فإن الكلام عن المتسلقين، وعن تبدل المواقع، وعن الوجوه التي تظهر حين تصبح الثمرة قريبة، ليس خروجًا على وحدة الصف؛ بل هو جزء من حمايتها. لأن أخطر ما يهدد أي صف ليس أن يُقال فيه ما يؤلمه، وإنما أن يُمنع قول ما يحتاج إلى سماعه.

لقد علمتنا التجربة أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخصم الظاهر؛ فقد يبدأ أحيانًا حين يتحول القرب من دوائر القرار إلى غاية، وحين يصبح الموقع أهم من القضية، وحين تتقدم المصلحة على المبدأ. ولذلك فإن من حق القيادة، ومن حق الوطن، أن تعرف الفرق بين من يقترب ليحمل عبئًا، ومن يقترب ليحمل موقعًا.

فليس كل من سبق إلى الصف الأول كان أسبق إلى الوفاء، وليس كل من حمل عنوانًا وطنيًا كان بالضرورة أكثر حرصًا على الوطن. وكما أن التأخر في الوصول ليس عيبًا إذا جاء الإنسان صادقًا، فإن السبق في الوصول ليس فضيلة بذاته إذا جاء على حساب القضية.

وهنا تأتي العبارة التي تختصر تجربة كاملة: �فمن لحق كمن سبق�.

ليست المشكلة في أن يأتي الإنسان متأخرًا؛ فالوطن لا يغلق أبوابه أمام من يريد أن يخدمه، وليس ظهور وجوه جديدة أمرًا مذمومًا؛ فكل مشروع حي يحتاج إلى طاقات جديدة. المشكلة حين يحاول اللاحق أن يمحو السابق، أو حين يتحول السبق إلى صك ملكية للمشهد، أو إلى حصانة من النقد، أو إلى حق دائم في احتكار الحضور.

المعيار ليس من وصل أولًا، وإنما ماذا فعل؟ ماذا حفظ؟ ماذا صان؟ ماذا تحمل؟ وماذا فعل عندما أصبح الثمن أعلى من المكسب؟

فالوطن لا يحتاج إلى من يحفظون مواقعهم أكثر مما يحفظون قضيته.

وفي كل وطن جبهة لا يسمع الناس صوتها؛ جبهة لا بارود فيها، لكنها مليئة بالاستنزاف. هناك جنود لا يعرفهم الجمهور؛ يقرأون، ويتابعون، ويحللون، ويكتبون، ويحذرون، ويحملون الملفات الثقيلة، ويصلحون ما أفسده غيرهم، ويتحملون سوء الفهم، ويواصلون الطريق حين ينصرف كثيرون إلى البحث عن مواقعهم.

هؤلاء يدفعون فاتورة لا تراها المنصات، ولا تحفظها الصور. ولا يعلم بحجمها إلا رب الوجود، والأرض التي احتفظت بآثار من مروا عليها وهم يحملونها في قلوبهم. وربما كانت المفارقة أن الذين يعملون بصمت لا يجدون الوقت الكافي لشرح صمتهم، بينما يجد الذين لا يعملون الوقت الكافي لشرح وطنيتهم.

لهذا لا ينبغي أن نخلط بين الحضور والظهور. فقد يكون الإنسان حاضرًا في قلب القضية وهو غائب عن الصورة، وقد يكون آخر حاضرًا في كل صورة وغائبًا عن جوهر القضية. الصورة لا تصنع أثرًا، واللقب لا يصنع وفاءً، والكرسي لا يصنع رجل دولة؛ الذي يكشف الإنسان هو ما يفعله حين يصبح القرار بين يديه، وحين لا يبقى بينه وبين ضميره أحد.

وفي المجال العام، قد تتحول الكلمات نفسها إلى أدوات قوة، وقد يصبح الخطاب الوطني وسيلة لبناء المكانة بدل أن يكون وسيلة لخدمة الوطن. وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: من أكثر الناس حديثًا عن الوطن؟ بل: من يستطيع أن يخدم الوطن حين لا يحصل من خدمته على شيء؟ ذلك هو الامتحان الذي لا تحبه الواجهات.

فالكرسي، مهما بدا عاليًا، لا يمنح الإنسان قيمة من ذاته؛ إنه يكشف ما فيه أكثر مما يصنعه. قد يجلس عليه إنسان فيزداد تواضعًا لأنه يرى ثقل الأمانة، وقد يجلس عليه آخر فيرى في الموقع امتدادًا لذاته. الكرسي واحد، لكن النفوس مختلفة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة ليس فقط أن يعارضها خصومها في الخارج، وإنما أن تتحول القضية في الداخل إلى وسيلة للمكاسب الشخصية. حين يصبح اسم الوطن بطاقة مرور، تصبح الوطنية مهنة؛ وحين يصبح الألم وسيلة للظهور، تصبح التضحية سلعة؛ وحين يصبح التاريخ سلّمًا للصعود، تصبح الذاكرة قابلة للتوظيف؛ وحين يصبح المنصب هو الغاية، يتحول الوطن تدريجيًا من قضية إلى وظيفة.

وهذه ليست تهمة لأحد بعينه؛ إنها ظاهرة يمكن أن تصيب أي مشروع حين يطول الطريق، ويكثر التعب، وتظهر الفرص، وتبدأ بعض النفوس في النظر إلى القضية باعتبارها فرصة للصعود. لكننا، لأننا لا نريد أن تتكرر الأخطاء، لا نملك رفاهية النسيان.

فالذاكرة ليست انتقامًا؛ الذاكرة حماية. والنقد ليس خيانة؛ وأحيانًا يكون النقد هو الشكل الأكثر صدقًا من أشكال الوفاء. من يحب الوطن لا يريد له أن يكرر أخطاءه، ومن يحب القيادة لا يريد أن يحيط بها من يقرأون القرب منها باعتباره مكسبًا شخصيًا.

ومن هنا، فإن الرسالة ليست ضد أشخاص، وإنما مع معيار؛ معيار يقول إن الموقع تكليف، وإن القرب مسؤولية، وإن المنصب امتحان، وإن التاريخ لا يُكتب بما نقوله عن أنفسنا، بل بما يظل شاهدًا علينا بعد أن تنتهي الخطب.

هناك أناس لا تعرفهم المنصات، لكن تعرفهم الملفات، ولا تحفظهم الصور، لكن تحفظهم النتائج، ولا تذكر أسماءهم الخطب، لكن تحفظهم الأيام. هؤلاء لا يحتاجون إلى أن يقولوا كثيرًا: نحن هنا. فوجودهم مكتوب في المكان الذي وقفوا فيه، وفي الأزمات التي عبرت لأنهم كانوا هناك، وفي الطريق الذي بقي مفتوحًا لأن أحدًا لم يتركه يسقط.

وربما يأتي بعدهم من يتحدث عن العمل وكأنه كان حاضرًا منذ اللحظة الأولى، لكن ذلك لا يغير الحقيقة؛ فالتاريخ لا يضيع كل شيء، والأرض لا تنسى كل شيء، والله لا يغيب عنه شيء.

ولذلك لا نحتاج إلى مطاردة أحد، ولا إلى تسمية أحد، ولا إلى تحويل الوطن إلى ساحة خصومات شخصية. يكفي أن نضع معيارًا واضحًا، وأن نترك الزمن يعمل، وأن نترك المواقف تتحدث، وأن نترك لكل إنسان أن يكشف نفسه بنفسه؛ فبعض الأقنعة لا تحتاج إلى يد تنزعها، يكفي أن تطول الرحلة.

ومن أحب وطنه، لم يحتج إلى امتلاكه. ومن خدمه، لم يحتج إلى أن يضع اسمه فوقه. ومن ضحى من أجله، لم يجعل من تضحياته فاتورة يطالب الآخرين بسدادها. ومن كان الوطن في قلبه، عرف أن بعض أعظم الانتصارات لا يراها أحد.

وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي لا يستطيع أي منصب الإجابة عنه: ماذا فعلت حين لم يكن هناك أحد ينظر إليك؟

هناك فقط يسقط كل شيء زائد: الكرفتة، واللقب، والصورة، والكرسي، والضجيج، ويبقى الإنسان أمام الحقيقة التي لا تحتاج إلى جمهور.

من جعل الوطن غايته، بقي أثره وإن غاب اسمه؛ ومن جعل الوطن وسيلته، قد يبقى اسمه في الواجهة، لكن الأثر وحده هو الذي يملك حق البقاء.

حفظك الله والدي الرئيس، وأعانك على ثقل الأمانة، وعلى كل من يختبرونها بميزان غير ميزان الوطن. وإنّا معك، لأجل جنوبنا الحبيب، حتى الرمق الأخير؛ لا تحكمنا في ذلك كراسي، ولا تغرينا واجهات، ولا تبدّل عهودنا تبدّل المواقع.

فهذا عهدنا بك، وعهدك بنا؛ أن نبقى حيث ينبغي أن يكون المخلصون: إلى جانب الوطن، وفي صف الأرض والإنسان، ما بقي في العمر رمق، وفي القلب عهد.

والله على ما نقول شهيد.