لعل الأحداث التي شهدها الجنوب منذ سنوات وحتى يومنا هذا، تعد كافية لما تم خلاله من مؤمرات ودسائس بحق شعب الجنوب، وما تخللها من انتصارات ومؤامرات وإنجازات تحققت، أفرزت واقعًا مغايرًا حمل في طياته العديد من "المفارقات" التي تعد اليوم محل أنظار المحللين. فهذه المفارقات ليست مجرد تناقضات عابرة، بل فضائح مكشوفة تمزق أقنعة من تاجروا بوطن لم يعرفوا له طعمًا. هنا لا مجال للدهشة، بل للغضب المقدس.
المفارقة الأولى: الأحداث التي شهدها الجنوب منذ تسعين يومًا أفرزت واقعًا تم فيه نسج خيوط المؤامرة على الجنوب في الخيانة والاعتداء على قواتنا الجنوبية في حضرموت وشبوة والضالع، واحتجاز الوفد التفاوضي للمجلس الانتقالي في الرياض، بالإضافة إلى إجراءات إغلاق مقرات المجلس الانتقالي من قبل سلطات الأمر الواقع. هذا الإجراء لاقى ردّة فعل قوية من قبل شعب الجنوب في رفض تلك السياسات ضد الجنوب وحامله السياسي، في الوقت الذي تعمل فيه سلطة الأمر الواقع على دعم تشكيل أحزاب وتكتلات بأسماء جنوبية ومحاولة استقطاب بعض القيادات "المتخنبشة" التي لم تكن على تلك المبادئ الثابتة. أيُّ خزي هذا؟ تُغلق المقرات وتُفتح الأذرع للمتسلقين! إنها سياسة "فرِّق تَسُد" بأبشع صورها، ولكنهم نسوا أن الجنوب ليس تركة لأحد. ألا يستحي القوم وهم يلاعبون مصير أمة؟!
المفارقة الثانية: أمام كل المتغيرات وما شهده الجنوب من محاولات إقصاء وتهميش وإسكات الصوت الجنوبي، يتم دعم المشاريع والوقفات الاحتجاجية مع السعودية، في الوقت الذي لم يُسمَح لشعب المملكة -بالتحديد- بالعدوان الإيراني على أرض الحرمين. فما المطلوب في ذلك؟ فقد أظهرت الأحداث والوقائع في فترات سابقة ما كانت تحبسه تلك القوى التأمرية من عداء لشعب المملكة وأرضها ومقدساتها، فاليوم ما يتم هو تشويه فقط لسمعة ودور المملكة، وفي نفس أولئك المتآمرين أطماع يريدون الحصول عليها عبر تلك الطرق. فهذه فضيحة العمر! يتظاهرون حبًا للمملكة وهم في قرارة أنفسهم يتربصون بها الدوائر. يا من تلبسون ثوب الحب على جسد الحقد، إن الأيام مفضوحة والأساليب مكشوفة. أين عقول من يصدقون هذا النفاق المفضوح؟!
المفارقة الثالثة: لعل الأحداث منذ يناير أوجدت قيادات ذات طابع تبعي ومتآمر، تمثل في إفراغ عنصري مقيت يستهدف ضباطًا وجنودًا وأفراد لواء بارشيد، بقرار من المجرم العليمي، وبمباركة وتنفيذ من الخنبشي والوزير العقيلي الذي لا تملك سلطة قيادته لواءً عسكريًا، بحجة أن هؤلاء الأبطال ليسوا كما يكون أولئك المبطحون في صف الإرهاب الإخواني والحوثي، بل كانت بطولاتهم خلال عقد ونيف -في نظرهم- ليست تضحيات في وجه الأعداء والدفاع عن حضرموت وساحلها، بمئات الشهداء والجرحى. أين الضمير يا عرابة الجريمة؟ أبطال حاربوا الإرهاب يُبادون بقرارات جبناء تخلفوا عن الصفوف. لله درُّك يا جنوب، كم تغدر بك أبناؤك قبل أعدائك! أبعد كل هذه التضحيات يُرمى الأبطال في مزابل التاريخ؟!
المفارقة الرابعة: لقيادات جنوبية كانت في الصف الأول -ونحن نحسبهم أوفياء لهذا الوطن- لكن الأحداث والمتغيرات أفرزت ما كانت تبيته نفوسهم، وأثبتت الأيام من الولاء المطلق وحب الجم للتبعية لتلك القوى التي لم تقم بواجبها في تحرير مناطقها من هيمنة الحوثي وأتباعه، بل كانوا رهانًا للأعداء والمتآمرين على الوطن وتماسكه ووحدة أراضيه. أيها المتآمرون: إن رياح الجنوب لا تُعرف إلا لمن سكنها، وإن صواعقها لا ترحم من تآمر عليها. لن تخرجوا من هذه الدوامة إلا بفضائحكم تلاحقكم إلى قبوركم. حسبنا الله في كل قيادي استبدل دماء الشهداء بكرسي ذل، ورهن وطنه لأعدائه. إن التاريخ لا يرحم الخونة، والجنوبي لا ينسى. أين كانت أصواتكم حين كان الدم يغلي في الشوارع؟!
المفارقة الخامسة: "ومن لا يحب صعود الجبال يعيش أبد الدهر بين الحفر"، وهم الأهم ممن حاولوا حبس إرادة شعب الجنوب إما بالإغراءات أو بحفنة من الأموال المشبوهة. نقول للقيادات التي باعت ضمائرها بالإغراءات السعودية: لن تفلحوا في تفكيك شعب الجنوب وتشكيل مكونات وتكتلات كرتونية، فقد حاول قبلكم من أولئك المبطحين أن يعملوا هذا ففشلوا، لأنهم اصطدموا بشعب واعٍ وواقع مغاير أثبت تمسك هذا الشعب العظيم بخيار استعادة دولته خلف قيادته الرئيس عيدروس الزبيدي، واستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.
إنها لحظة الحقيقة أيها المخدوعون: من يظن أن الجنوبي ينسى جراحه مقابل دراهم معدودة، فهو أجهل الناس بتاريخ هذه الأرض التي لم تنكسر يومًا لطاغية. فليعلم هؤلاء جميعًا: أن إرادة الجنوب كجبل شمسان، لا تلين للرياح، ولا تنكسر للعواصف. كل تكتل كرتوني سينهار بأول موجة عاصفة، وكل ممول لفتنة سيأكل غدره. أما آن الأوان ليعلم السماسرة أن الجنوب ليس سوقًا للخنازير؟!
إنها مفارقات لا تمر دون بصمة في جبين التاريخ. يتلاعبون بخيوط الظل، ويظنون أن الجنوب الذي هزم أعتى الإمبراطوريات، سينهار أمام سماسرة الحرب وصفقات الخيانة. كلا ثم كلا. كلا ثم كلا. إن دماء الشهداء التي روّت تراب حضرموت وعدن وأبين والمهرة، ستظل شعلة لا تطفأ، وستكتب النهاية التي لا يريدها المتآمرون. أيها المتآمرون: إن رياح الجنوب لا تُعرف إلا لمن سكنها، وإن صواعقها لا ترحم من تآمر عليها. لن تخرجوا من هذه الدوامة إلا بفضائحكم تلاحقكم إلى قبوركم. فاصبروا يا أبناء الجنوب، فما نيل المطالب بالتمني، ولكن تُؤخذ الدنيا غلابًا. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولا تحسبن الذين ظلموا أنهم فاتونا، إنما هي أيام وستنكشف الحقائق.