ظاهرة التسول في اليمن… وجوهٌ تبحث عن لقمة عيش، وأطفالٌ تُسرق طفولتهم، ومسؤوليةٌ لا يجوز أن تضيع بين الأرصفة
لم يعد التسول مشهدًا عابرًا في شوارع اليمن، بل أصبح صورةً مؤلمة تتكرر أمام إشارات المرور، وأبواب المساجد، والأسواق، ومداخل المستشفيات. أيدٍ ممدودة تبحث عن لقمة عيش، ووجوه أنهكها الانتظار، وأطفالٌ يقفون بين السيارات بدلًا من أن يجلسوا على مقاعد الدراسة.
لكن خلف كل يدٍ ممدودة حكاية، وخلف كل طفلٍ يستجدي المارة مأساة قد تكون أكبر من عمره. فهناك من دفعته البطالة وضيق المعيشة إلى طلب المساعدة، وهناك أسرٌ عجزت عن توفير احتياجاتها الأساسية، وهناك أيضًا من يستغل حاجة الآخرين وعاطفة المجتمع لتحقيق مكاسب على حساب الضعفاء.
فكيف يصل الإنسان إلى مرحلةٍ يرى فيها أن مدّ يده للآخرين هو الخيار الوحيد المتبقي أمامه؟
أطفالٌ في الشوارع… من يحمي طفولتهم؟
من أكثر المشاهد إيلامًا أن ترى طفلًا يركض بين السيارات، أو يقف أمام المحال ساعاتٍ طويلة طلبًا للنقود. طفلٌ كان يفترض أن يحمل حقيبته المدرسية، ويعيش طفولته بأمان، لكنه أصبح يواجه مخاطر الشارع قبل أن يعرف معنى الحياة.
إن وجود الأطفال في التسول ليس مجرد مشهدٍ يحرك المشاعر، بل إنذارٌ يمس حقوقهم في التعليم والحماية والرعاية. ولا يكفي منحهم بعض النقود ثم تركهم يعودون إلى الشوارع؛ بل يجب معرفة ظروفهم، وحمايتهم من الاستغلال، ومساندة أسرهم، وإعادتهم إلى التعليم متى أمكن.
أي مستقبلٍ ننتظره من طفلٍ يتعلم كيف يستجدي قبل أن يتعلم كيف يقرأ؟
الفقر ليس تهمة… والاستغلال لا يجوز تجاهله
لا يجوز الحكم على جميع المتسولين بأنهم محتاجون أو محتالون؛ فالحالات تختلف، والأسباب تتعدد. هناك من يحتاج إلى المساعدة فعلًا، وهناك حالات قد تتعرض للاستغلال أو تتحول فيها الظاهرة إلى نشاطٍ منظم.
لذلك، فإن الحل يبدأ بالتحقق من الحالات، وتوجيه المساعدات إلى مستحقيها، ومحاسبة من يستغل الأطفال أو يجبر الآخرين على التسول، دون إهانة المحتاجين أو حرمانهم من حقوقهم.
فالحاجة ليست عيبًا، والفقر ليس جريمة، وكرامة الإنسان لا تسقط لأنه لم يجد ما يسد به جوعه.
إلى المسؤولين… أين الحلول؟
إن مواجهة التسول لا تكون بإبعاد الأشخاص عن الشوارع فقط، بل بمعالجة الأسباب التي دفعتهم إليها. المطلوب إجراء مسحٍ ميداني للحالات، وتوفير الدعم للأسر الأشد فقرًا، وخلق فرص عمل، وحماية الأطفال، وتعزيز دور الجمعيات الموثوقة، ومتابعة النتائج بجدية وشفافية.
كما أن مسؤولية المجتمع لا تقل أهمية؛ فمساعدة المحتاج واجب إنساني، لكن المساعدة المنظمة التي تحفظ كرامته وتخفف أسباب حاجته قد تكون أكثر أثرًا واستمرارًا.
كرامة الإنسان مسؤولية الجميع
إن التسول ليس مجرد أيدٍ تمتد طلبًا للمال، بل سؤالٌ يضع ضمير المجتمع أمام مرآته: لماذا أصبح بعض الناس مضطرين إلى عرض معاناتهم في الشوارع حتى يحصلوا على أبسط احتياجاتهم؟
إلى أصحاب القرار، انزلوا إلى الشوارع، واستمعوا إلى الناس، وابحثوا عن حلولٍ حقيقية لا عن إجراءاتٍ مؤقتة. فالمعيار ليس اختفاء المتسولين من مكانٍ معين، بل تحسن حياة الإنسان الذي كان يقف هناك.
لا نريد شوارع تخلو من مشاهد الفقر فحسب، بل نريد أطفالًا في مدارسهم، وأسرًا تجد ما يسندها، ومحتاجين تصل إليهم المساعدة دون إذلال.
فحين تمتد الأيدي في الشوارع، لا تسألوا فقط: لماذا يطلب هؤلاء المال؟ بل اسألوا: ما الذي أوصلهم إلى هنا، ولماذا لم يصل إليهم الحل قبل أن يصلوا إلى الرصيف؟
لأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون آخر ما نفكر في إنقاذه، ولأن المجتمع الحقيقي هو الذي يرى الإنسان قبل أن يرى حاجته.