تقوم الدولة الدستورية، في الأصل، على مبدأ حياد مؤسساتها تجاه التنافس السياسي، وعلى أن تكون مؤسساتها ملكاً للمجتمع كله، لا أداةً لإنتاج قوى سياسية أو إعادة تشكيل الخريطة السياسية وفق إرادة السلطة القائمة.
ومن هنا تبرز مسألة قانونية ودستورية مهمة: إذا تدخلت السلطات الرسمية في إنشاء أو رعاية أو توجيه مكونات سياسية، فما حدود مشروعية هذا التدخل؟
الأصل أن ممارسة السلطة العامة يجب أن تستند إلى اختصاص دستوري أو قانوني واضح، وأن تظل مقيدة بمبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص، وحرية التنظيم السياسي، وعدم التمييز بين المواطنين والقوى السياسية.
أما استخدام موارد الدولة أو نفوذ مؤسساتها لإنشاء مكونات سياسية أو منحها معاملة تفضيلية، فيطرح إشكالية تتعلق بحدود السلطة وبمبدأ حياد مؤسسات الدولة.
ولا تتوقف المسألة عند الجانب القانوني فقط؛ فحين تصبح بعض المكونات السياسية مرتبطة بالسلطة أو مدينةً لها في وجودها أو نفوذها، فإن ذلك قد يؤثر في الدور المؤسسي للدولة تجاه بقية المجتمع. إذ يفترض بالمؤسسة العامة أن تكون وسيطاً ومنظماً ومحكماً وفق القانون، لا طرفاً في إنتاج أطراف العملية السياسية.
فالفرق جوهري بين أن تنظم الدولة الحياة السياسية وفق القانون، وبين أن تتدخل في صناعة الفاعلين السياسيين أنفسهم.
الأولى وظيفة مؤسسية مشروعة متى تمت ضمن الدستور والقانون، أما الثانية فتحتاج إلى أساس قانوني واضح وضمانات تمنع تحول مؤسسات الدولة إلى طرف في المنافسة السياسية.
وفي الدولة الدستورية، لا تُقاس قوة المؤسسات بقدرتها على صناعة القوى السياسية، وإنما بقدرتها على حماية حق المجتمع في تشكيل قواه السياسية بحرية، وضمان المساواة بينها، وإخضاع الجميع للقانون.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: من أنشأ هذا المكون السياسي؟
بل أيضاً: هل تم ذلك من خلال آلية قانونية ودستورية محايدة؟ وهل تستطيع مؤسسات الدولة، بعد ذلك، أن تمارس دورها تجاه جميع المواطنين والقوى السياسية بالمسافة القانونية والمؤسسية ذاتها؟
فحياد الدولة ليس موقفاً من السياسة، بل هو أحد شروط بقاء المؤسسة العامة مؤسسةً للجميع.