آخر تحديث للموقع : السبت - 11 يوليو 2026 - 09:57 م

كتابات


بيان الثورة والهوية: حين يزأر الجنوب بوجه العبث والوصاية

الجمعة - 10 يوليو 2026 - 10:52 م بتوقيت عدن

بيان الثورة والهوية: حين يزأر الجنوب بوجه العبث والوصاية

نبا نيوز /د. مريم العفيف


لم تكن الأوطان يوماً في يقين الأحرار مجرد جغرافيا صماء تُرسم بخطوط واهية على ورق الخرائط، ولا تخوماً ترابية تذروها الرياح العابرة، بل هي "فكرة" كبرى متجذرة في عمق الوجدان، فكرة تُعمد بالدم الزكي الطاهر، وتُصاغ بوعي الأحرار الصارم الذي لا يلين ولا يستكين؛ فالإرادة الحرة ليست منحة مجانية أو هبة يُجود بها الطغاة والمحتلون في لحظات كرمهم الزائف أو انكسارهم المؤقت، بل هي انتزاعٌ وجوديّ حتمي وفعل سيادي مستمر يعيد للإنسان كرامته وسؤدده وسلطانه المطلق على أرضه وتاريخه. ومن هذا المنطلق العميق الذي يربط الأرض بالهوية برباط مقدس، ومن رحم المعاناة المتراكمة وعقود التهميش والاقصاء التي صهرت المعادن الصلبة لشعبنا الأبي، ينهض الجنوب اليوم في وثبة جماهيرية كبرى، عارمة، وممتدة، معلناً "النكف الجنوبي" الشامل؛ لا كفعلِ غضبٍ عابر أو هبة عاطفية تنتهي بانتهاء مسبباتها اللحظية، بل كاستراتيجية وجودية بعيدة المدى، وخيار مصيري ثابت يرفض الانكسار ويأبى التهميش، ويضع حداً فاصلاً وقاطعاً بين زمن الخنوع والوصاية وزمن السيادة والاستقلال، ليغدو ما تشهده الساحات والميادين اليوم تجسيداً حياً وصارخاً لـ "إرادة القوة" الكامنة في وجدان الشعوب الحرة حين تتحرك لترسم مصيرها بأيديها، وتكتب تاريخها المجيد بمداد من نور ونار في ثورة وعي عارمة تتجاوز كل التكتيكات السياسية الضيقة، وتقف بكبرياء شرفاء الأرض على أرضية صلبة من الحق التاريخي والعدالة المطلقة التي لا تقبل القسمة، ولا تفاوض على ثوابتها.
وفي هذا الأفق النضالي الرحب الممتد بامتداد الهوية الجنوبية، يتجلى النداء هادراً وصارخاً لصناع الملاحم وقادة الغد من رجال الجنوب الميامين في كل جبهة وموقع، مؤكداً في كل منعطف تاريخي أن الثورات الحقيقية التي تخرج من رحم المعاناة الصادقة لا تقبل أنصاف الحلول، ولا ترتضي بفتات الموائد السياسية، ولا يمكن أن تُباع أو تُشترى في أسواق النخاسة الدولية والمقايضات الإقليمية؛ لتنطلق من قلب كل ساحة وميدان، ومن كل جبل شامخ ووادٍ سحيق، صرخة مدوية تشق عنان السماء وتزلزل عروش الواهمين في وجه الكون أجمع: لا وصاية على الجنوب بعد اليوم، ولا مساومة مطلقاً أو مهادنة على قضايا شهداءنا البررة الذين سقطوا وهم يذودون عن حياض هذا الوطن الطاهر؛ فدماء الشهداء في عرف الأحرار ليست حبراً باهتاً تُكتب به اتفاقيات تسوية في الغرف المغلقة المعتمة، وليست أوراقاً للمناورة والتكتيك فوق طاولات الحوارات العبثية، بل هي النور المقدس الذي يضيء دروب الحرية جيلًا بعد جيل، والنار المستعرة الكفيلة بحرق عروش العابثين والمتآمرين وسماسرة السياسة. وإن كل محاولات الالتفاف على تضحيات شعبنا، أو محاولة تحويل قضيتنا العادلة إلى مجرد ورقة مقايضة في سوق الصفقات، هي وهمٌ مطبق وجهل فاضح بطبيعة هذا الشعب، وهمٌ سينتحر لا محالة على صخرة الصمود الجنوبي الأسطوري، فقوافل الشهداء، وفي مقدمتهم القائد الرمز "جواس" وكل رفاقه الأبرار الذين قدموا أرواحهم رخيصة في محراب العزة والشرف، لم يكونوا يوماً، ولن يكونوا أبداً، جزءاً من صفقات تافهة أو ترهات سياسية عقيمة يمررها الواهمون والمتاجرون بقضايا الأوطان.
إن الجنوب اليوم، بفضل هذا الوعي الجمعي المتجذر وحالة التلاحم غير المسبوقة، ليس شتاتاً متفرقاً ولا كيانات ممزقة أو جزرًا معزولة كما يشتهي الأعداء والمتربصون، بل هو جسد واحد متماسك إذا اشتكى منه عضو في أقصى الشرق تداعى له سائر الجنوب في أقصى الغرب بالحمى والسهر والنصرة، وصوت واحد هادر يزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة، وهدف استراتيجي واحد لا انحراف عنه ولا تراجع؛ وذلك بعد أن انصهرت كل التباينات الثانوية والمشاريع الضيقة في بوتقة الهوية الجنوبية الجامعة، وتوحدت قوافل رجال الجنوب الصناديد من المهرة الإباء إلى باب المندب الصمود، لتعزف معاً سيمفونية الخلاص الثوري النهائي وتصنع فجر الاستقلال. وليفهم القاصي والداني، وليستوعب كل من به صمم أو ران على قلبه الوهم، بلغة الأدب العاصف والشعر الهادر الذي يسبق الإعصار، أن من يحاول تجاوز الجنوب، أو القفز على تطلعات شعبه المشروعة، أو محاولة تجسير مصالحه الحزبية أو الشخصية على حساب قضيتنا العادلة، فإننا سنهدم سقف الأوهام على أضلعه، وندفن مؤامراته الخبيثة في مهدها قبل أن ترى النور، ليكون عبرة للتاريخ ولكل من تسول له نفسه العبث بمصير شعب؛ فهي لغة الأرض الحرة التي تلفظ الغزاة بطبيعتها وفطرتها، ولغة الحق والكرامة التي لا تعرف التراجع أو التذبذب أو الوقوف في المناطق الرمادية، لا سيما وقد انطلق قطار الجنوب بوقود لا ينضب من تضحيات الآلاف من خيرة شبابه صوب الاستقلال التام الناجز واستعادة الدولة كاملة السيادة على حدودها التاريخية المعروفة، ومن يجرؤ على الوقوف في طريق هذا الطوفان البشري فلن يجد أمامه سوى سيل جارف من الإرادة الشعبية الكاسحة التي تجرف كل عائق وتقتلع كل مؤامرة من جذورها.
ختاماً، ليعلم الجميع أن النكف الجنوبي المستمر، والانتفاضة الثورية المتجددة في كل شبر من أرضنا، هما صمام الأمان الحقيقي والوحيد لحماية قضيتنا ومكتسباتنا الوطنية؛ فنحن شعب يحمل رسالة سلام وعدالة ولا يعتدي على أحد، ولكننا في الوقت ذاته لا نقبل الضيم، ولا ننام على ثأر، ولا يمكن تحت أي ظرف أو مبرر أن نفرط في شبر واحد من تراب أرضنا، ولا في قطرة دم واحدة سُفكت من دماء أبطالنا ومناضلينا، وسنظل أوفياء للعهد، قابضين على جمر المبادئ حتى تحقيق كامل الأهداف. ليبقى المجد الخالد والرحمة للشهداء الأبرار، والشفاء العاجل للجرحى الميامين، والحرية الحتمية والكاملة للأسرى الأبطال في معتقلات الغدر، والنصر دائماً وأبداً حليف الشعوب الحرة المؤمنة بحقها الوجودي في الحياة، والسيادة، والاستقلال التام فوق أرضها.
الرحمة للشهداء 
والشفاء للجرحى 
عاش الجنوب العربي حُرا ابيا