غير ذلك وضع سيّئ بكل المعايير: مسؤولية بلا صلاحية، وصلاحية بلا مال، ومال بلا رقابة، ورقابة بلا عمل. هذه ليست لامركزية، هذه فوضى مقنّعة.
*لا تفويض بلا انتخاب*
بدون انتخابات، السلطة المحلية لم تعد وكيلة عن الناس، بل موظفة عند المركز. لا شرعية بلا صناديق، ولا تمثيل بلا أصوات. لا تفويض بلا انتخاب، ولا قاعدة استثنائية تتجاوز الدستور وتلغي الانتخابات. من يتجاوز الإرادة الشعبية اليوم، سيحاسبه التاريخ غداً.
*الحساب آخراً، وهو جوهر المسألة*
والمجلس المنتخب ما قيمته لو ما يحاسب؟ دوره الحقي هو: يقر الموازنة، يراقب التنفيذ، يستجوب السلطة التنفيذية المحلية، ويقول للمواطن بعيون مفتوحة: "هذا ما أنجزناه بأموالكم".
المجلس الذي لا يسأل ولا يحاسب يتحول لديوان ختم، وخادم مطيع للسلطة التنفيذية. واللامركزية إذاً دائرة كاملة لا تُكسر: تفويض من الناس، ثم رقابة صارمة من نوابهم.
*لكن الواقع يوجع ويكشف العورة*
*ضعف الكادر اخطر من شح المال*
عندنا قلتين تقتل الفكرة في المهد:
1. *قلة الإمكانيات*: ميزانيات المديريات تكفي رواتب شهرين ثم تتوقف. لا مشاريع، لا صيانة، لا طوارئ. المجلس يجلس يتفرج على وجع الناس بلا يد ولا أداة. كيف تُحاسب سلطة بلا مال؟
2. *عجز السلطات المحلية*: الكادر ضعيف، الخبرة مفقودة، والصلاحيات مسلوبة. حتى قرار ترميم مدرسة يعود للمركز "لأخذ الموافقة". فتجد المحافظ مدير بريد، والمجلس المحلي قاعة اجتماعات بلا قرار.
*المعادلة الناقصة = الفشل الكامل*
اللامركزية = شرعية صلاحيات موارد. معادلة بسيطة لكنها حاسمة.
المعادلة تقول بوضوح:
صندوق بلا ميزانية = مجلس عاجز ومشلول.
ميزانية بلا رقابة = فساد محلي يولد من رحم الفساد المركزي.
صلاحيات بلا كادر = قرارات مرتجلة تزيد الطين بلة.
*الخلاصة التي لا تقبل الجدل*
لذلك الإصلاح لا يبدأ بقانون لامركزية جديد يُضاف للأدراج. يبدأ بثلاثة أوتاد لا ينهض البناء إلا بها: انتخابات حرة نزيهة، موازنة لامركزية واضحة تصل مباشرة للمديرية، وتأهيل حقي للكوادر المحلية.
غير ما ذُكر، سنظل ندور بنفس الدائرة المميتة: شعارات بلا تطبيق، ومجالس بلا تأثير، ومواطن يدفع الثمن وحده.