آخر تحديث للموقع : الإثنين - 09 مارس 2026 - 02:54 ص

كتابات


المرأة في يومها: صمودٌ، روحٌ، وعقلٌ متكامل

الإثنين - 09 مارس 2026 - 12:29 ص بتوقيت عدن

المرأة في يومها: صمودٌ، روحٌ، وعقلٌ متكامل

نبا نيوز /د. مريم العفيف


في هذا اليوم الذي يُضيء على المرأة حضورها الفريد في مسرح الحياة، نتوقف لنقرأها كما لم تُقرأ من قبل؛ ليس بعين المظهر، بل بعين الروح والفكر، وبعقل الوعي الذي يُدرك أن الإنسان لا يُقاس بظواهره وحدها، بل بقدرته على الإبداع والعطاء والصمود. المرأة ليست نصف المجتمع، ولا مجرد دور اجتماعي، بل كيان إنساني متوازن بين الفعل والفكر، بين العاطفة والعقل، بين القوة والرحمة، ليغدو معيارًا تُقاس به الحضارات وتُعرف به قيمة الأمم.
عبر التاريخ، كانت المرأة رمزًا للفكر المستنير، والصبر الذي يتجاوز حدود الممكن، والإرادة التي لا تنكسر أمام الزمان أو الظروف. عقلها يبتكر، وقلبها يمنح، ويدها تبني، وصبرها يقهر العوائق. هي الصمود في أبهى صوره الفلسفية، والإبداع في أعظم تجلياته، والعطاء في أسمى مظاهره. فمنها تتعلم الأجيال أن الحرية لا تُنال بلا ثبات، وأن الكرامة لا تُصان إلا بالإرادة، وأن العظمة ليست صخبًا أو سيطرة، بل قدرة على الجمع بين الفعل والجوهر، بين الكلمة والعمل، بين العقل والروح.
حضور المرأة يمنح المجتمع توازنه الداخلي، ويفتح أمامه آفاق التفكير المبدع ورؤية لا تُقيدها المصالح العابرة. صوتها الحكيم يزرع الثقة في القلوب، ويجعل القرار أكثر اتزانًا، والمشروع أكثر متانة، والنضال أكثر قدرة على الاستمرار. إنها القوة التي تُقاس بقدرتها على تشكيل الإرادة، وتحريك العقول، وإشعال الشعور بالمسؤولية والوفاء.
المرأة ليست مجرد مشاركة، بل محور أصيل في كل مسار يسعى إلى الحرية والكرامة. حضورها يرفع الروح ويحوّل المستحيل إلى ممكن. هي التي تذكّر العالم بأن العدالة بلا مساواة ناقصة، وأن المجد بلا كرامة لا معنى له، وأن الإرادة الجماعية تشتد كلما كانت المرأة شريكة حقيقية في رسم طريقها. وفي كل عصرٍ كانت شعلة لا تنطفئ، رمز الصمود والتحدي، وراية الأمل حين يضعف كل شيء آخر.
الاحتفاء بالمرأة اليوم ليس كلمات تُقال، بل إعلان فلسفي ووجودي عن عمق دورها في تشكيل الحياة، وعن القيمة الجوهرية التي تضيفها إلى المجتمع، وعن قدرة الإنسان على أن يكتمل حين تتحد المرأة معه في الرؤية والفعل والقرار. إنه قراءة دقيقة للزمان والمكان، وتقدير للإرادة التي لا تنكسر، وللعقل الذي يوازن بين الفعل والقيم، وللإبداع الذي يبني المجتمعات ويصنع الحضارات.
المرأة هي محور الحضارات، والكيان الذي يمنح التوازن بين العقل والقيم، والقوة التي تمنح بلا غطرسة، والحكمة التي تعمل بلا تبجح. تعلمنا أن الفعل بلا روح لا قيمة له، وأن الكلمة بلا فعل تبقى فارغة، وأن الحرية بلا عدالة ناقصة، وأن العظمة تتحقق حين يتحد القلب والعقل والروح في وحدة متكاملة.
فلنحتفل بالمرأة اليوم ليس بالكلمات فقط، بل بالاعتراف بعمق تأثيرها وتمكينها لتواصل بناء المجتمع وصناعة الحضارة وتوجيه المستقبل، ولتظل روح المبادرة قبل الفعل، وعقل الحكمة قبل القرار، وقلب الرحمة قبل الحكم، ونور الحقيقة قبل الظلام. لن يكتمل العالم إلا إذا كانت المرأة في قلب كل قرار، وفي صميم كل إنجاز، وفي شراكة حقيقية مع كل لحظة من تاريخ الإنسانية.
العظمة الحقيقية ليست في القوة وحدها، بل في القدرة على الجمع بين الحزم والرحمة، بين العقل والقلب، بين العطاء والصمود، بين الحرية والعدالة، بين الفكر والفعل. المرأة هي المعيار الذي يُقاس به تاريخنا ومستقبلنا، والمثال الأسمى للصمود والإبداع والوفاء للحياة. فكل حضارة صامدة وكل مجتمع مزدهر يعكس حضور المرأة، وكل مسارٍ نحو التقدم يكتسب معناه حين تكون شريكة حقيقية في رسم المصير وصناعة القرار وبناء المستقبل.
وفي ختام هذا المعنى الذي يتجاوز حدود الكلمات، يبقى للروح حديثها الذي لا يشيخ:
لروحي وعقلي وقلبي وذاتي، ولتفاصيلي الدقيقة التي صاغتني كما أنا، ولرباطي المقدّس مع قيمي وثوابتي، أفيض وافر الحُب والامتنان. أحتفي بما فيّ من تفردٍ لا يذوب في الزحام، وبشخصيةٍ لها حقها الكامل في الاعتزاز بذاتها، وبثوابتٍ لا تنحني لعابرٍ من الأزمنة. ليس هذا احتفاءً لتسجيل كلمة في يومٍ عابر، بل اعترافٌ بفرادةٍ إنسانيةٍ تقف شامخةً في فضاء الحياة، وترى في ذاتها مصدر فخرٍ مشروع.
إنه تميّزٌ لا يُقاس بالضجيج، بل بعمق الأثر، ولا بالظهور العابر، بل بثبات القيمة؛ تميّزٌ ندر أن يتكرر على جغرافيا هذه الأرض البسيطة، لكنه حين يولد يترك بصمته في الذاكرة والوجدان، شاهدًا على أن التفرد الحقيقي ليس ادعاءً، بل حضورٌ أصيل يكتب نفسه بهدوءٍ ووقار.
وفي القلب مساحة لا يشاركها أحد، مساحة الامتنان الأولى:
كل لحظةٍ وأنتِ يا امرأة أنجبتني بصحةٍ وحب، يا من صغتِ ملامحي بما يليق بي شموخًا وآبّة، يا أمي؛ صديقة العمر وسر نبضي الخالد، ودفء البدايات الذي لا يبرد أبدًا.
ولرباطي المقدّس الذي أختاره كل يوم بوعي القلب وصفاء الروح؛
كل لحظةٍ وأنا لأجلنا مفعمةٌ بالشغف، ماضيةٌ بثقةٍ نحو ما يستحقنا، ماجدةٌ بعلوّك لقدري، وباعتزازك الصادق بشأني. ففي هذا الاعتزاز يولد المعنى، وفي هذا الرباط تنمو الطمأنينة التي تجعل للحياة اتساعها الجميل.