في منعطفات التاريخ الكبرى، لا تُقاس اللحظات بعقارب الزمن، بل بقدرتها على إعادة تعريف المعنى، وصياغة الوجود الجمعي للأمم. والجنوب، في هذه الأيام، لا يعيش حدثًا سياسيًا عابرًا، بل يقف في مقامٍ أعلى؛ مقام الإرادة الواعية، حيث تتحوّل الفكرة إلى قدر، والحلم إلى مشروع دولة.
عدن، كما أخواتها من محافظات الجنوب، ليست مدينةً تستقبل شتاءً خرافيًا فحسب، بل فضاءً رمزيًا تتجسّد فيه روح الوطن. كأن الطبيعة اختارت أن تكون شريكة في هذا المشهد، فصفّت الجوّ، وهدّأت الإيقاع، ليبدو كل شيء مهيأً للحظة كشفٍ تاريخية. شوارع مكتظّة بالحركة، لا ازدحام فيها بلا معنى، بل مسيرٌ واثق، ونبضٌ يعرف إلى أين يتجه، وحركة تحمل طعم الوطن وملامح الانتماء العميق.
الساحات الجنوبية اليوم لا تُقرأ بوصفها أماكن، بل بوصفها حالات وعي. إنها مسارح للذاكرة الجمعية، ومرايا تعكس صلابة الإنسان الجنوبي حين يلتقي الحق بالتاريخ. هناك، تحيا الساحات بعنفوان الأبطال، في ظل أمنٍ واستقرار، يؤكد أن هذه اللحظة ليست فوضى عاطفية، بل فعلًا ناضجًا، محسوبًا، ومدركًا لثقل معناه.
في مقام الإرادة، يتردّد القول القديم بعمقٍ جديد: هذا حقي، وهذه أرضي. ليس كشعارٍ احتجاجي، بل كحقيقة وجودية. فالحق حين يتحوّل إلى وعي جمعي، يصبح قوة لا تُهزم، وتاريخًا يُعاد تشكيله من الداخل. هنا، تصطف الصفوف كصفوف الصلاة؛ لا لأن المشهد احتفالي، بل لأن الغاية واحدة، والقبلة واحدة: استعادة الدولة الجنوبية العربية، دولة الأرض والإنسان والكرامة.
من كل محافظات الجنوب، من السواحل إلى الجبال، ومن المدن إلى القرى، يحتشد أبناء الجنوب نحو لحظة جامعة. هذا الاحتشاد ليس حشدًا للعدد، بل اكتمالًا للمعنى. هو إجماع وطني نادر، حيث تتلاقى الإرادات الحرة على هدف واحد، وتذوب التفاصيل الصغيرة في فكرة الدولة، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حماية الحرية وصون الكرامة.
إن استعداد الجنوب لإعلان دولته لا يقوم على الحنين وحده، بل على نضج التجربة، وثقل التضحيات، ووعيٍ تاريخي أدرك أن الحرية بلا دولة تظل منقوصة، وأن السيادة ليست مطلبًا عاطفيًا، بل استحقاقًا أخلاقيًا وتاريخيًا. الجنوب لا يطلب اعترافًا بوجوده، بل يعلن حقيقة حضوره، كما كان دائمًا: أرضًا ضاربة في التاريخ، وإنسانًا صلبًا، وإرادة لا تنكسر.
ما يميّز هذه اللحظة أن الجنوب يتقدّم إليها بعقلٍ هادئ وإرادةٍ صلبة. لا تُبنى الدولة هنا على الفوضى، ولا تُعلن تحت ضغط الانفعال، بل تتشكّل في سياق من الأمن والاستقرار، وكأن التاريخ قرر هذه المرة أن يكون شاهدًا متأنيًا لا عاصفًا. إنها لحظة تتصالح فيها القوة مع الأخلاق، والسياسة مع الحكمة، والواقع مع الحلم.
وهكذا، يقف الجنوب العربي اليوم في مقام الإرادة، حيث يتشكّل التاريخ من جديد. لا ليبدأ حكاية، بل ليكملها كما ينبغي، بوعي شعب أدرك أن مصيره لا يُكتب له، بل يكتبه بنفسه، صفًا واحدًا، وقلبًا واحدًا، ووطنًا يستحق أن يُستعاد.